ابن عطية الأندلسي
331
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
العرب هو عس بذلك مثل حر وشج ، وقد جاء فعل وفعل في نحو نقم ونقم ، فكذلك عسيت وعسيت ، فإن أسند الفعل إلى ظاهر فقياس عسيتم أن يقال عسي زيد مثل رضي ، فإن قيل فهو القياس ، وإن لم يقل فسائغ أن يأخذ باللغتين فيستعمل إحداهما في موضع الأخرى كما فعل ذلك في غيره ، ومعنى هذه المقالة : هل أنتم قريب من التولي والفرار . إن كتب عليكم القتال ؟ . قوله عزّ وجل : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ . . . . . . . المعنى وأي شيء يجعلنا ألا نقاتل وقد وترنا وأخرجنا من ديارنا ؟ وقالوا هذه المقالة وإن كان القائل لم يخرج من حيث قد أخرج من هو مثله وفي حكمه ، ثم أخبر اللّه تعالى عنهم أنهم لما فرض عليهم القتال ورأوا الحقيقة ورجعت أفكارهم إلى مباشرة الحرب تولوا ، أي اضطربت نياتهم وفترت عزائمهم ، وهذا شأن الأمم المتنعمة المائلة إلى الدعة ، تتمنى الحرب أوقات الأنفة ، فإذا حضرت الحرب كعت وانقادت لطبعها ، وعن هذا المعنى نهى النبي صلى اللّه عليه وسلم بقوله : « لا تتمنوا لقاء العدو ، واسألوا اللّه العافية ، فإذا لقيتموهم فاثبتوا » ، ثم أخبر اللّه تعالى عن قليل منهم أنهم ثبتوا على النية الأولى واستمرت عزيمتهم على القتال في سبيل اللّه ، ثم توعد الظالمين في لفظ الخبر الذي هو قوله وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ، وقرأ أبي بن كعب « تولوا إلا أن يكون قليل منهم » . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 247 ] وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 247 ) قال وهب بن منبه : « إنه لما قال الملأ من بني إسرائيل لسمويل بن بالي ما قالوا ، سأل اللّه تعالى أن يبعث لهم ملكا ويدله عليه ، فقال اللّه تعالى له : انظر إلى القرن الذي فيه الدهن في بيتك ، فإذا دخل عليك رجل فنش الدهن الذي في القرن فهو ملك بني إسرائيل ، فادهن رأسه منه وملكه عليهم ، قال : وكان طالوت رجلا دباغا ، وكان من سبط بنيامين بن يعقوب ، وكان سبطا لا نبوة فيه ولا ملك ، فخرج طالوت في بغاء دابة له أضلها ، فقصد سمويل عسى أن يدعو له في أمر الدابة أو يجد عنده فرجا ، فنش الدهن » . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : وهو دهن القدس فيما يزعمون ، قال : فقام إليه سمويل فأخذه ودهن منه رأس طالوت ، وقال له : أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني اللّه بتقديمه ، ثم قال لبني إسرائيل « إن اللّه قد بعث لكم طالوت ملكا » ، و طالُوتَ اسم أعجمي معرب ولذلك لم ينصرف ،